كلمة ذهبية في الرؤى والأحلام

الحمدُ للهِ وحده, والصلاةُ والسلامُ على من لا نبي بعدَهُ:

هناك كلماتٌ تصدر من بعض الموفَّقين، تستحقُ أن تُكتب بماءِ الذهبِ، أو أن تُكتبَ على مُقَل العُيُون، من هذه الكلمات الموفَّقة, كلمةٌ قالها الإمامُ العَلَمُ شَريك بن عبدالله – رحمه الله – في قصةٍ لطيفةٍ طريفةٍ وقعتْ له مع الخليفةِ العباسي المهدي[1]- رحمه الله -، أتمنى أنْ يحفظَها كلُ طالبِ علمٍ، وأن يعيَها جِداً وأن يُعلمها غيره، فهيَ كلمةٌ حقيقةٌ بأن تُشهرَ وتُذاعَ بين الناس, فإني أعدُّ هذه الكلمات التي نطقَ بها القاضي شَريكٌ – رحمه الله- القانونَ الأولَ والقاعدةَ الأساسيةَ في باب: “الرؤى والأحلام”.

وخُلاصة تلك القصة التي تحوي هذه الكلماتِ الرائعةَ هي:

“كانتْ بين شَريك[2] القاضي والربيع[3] حاجب المهدي مُعارضةٌ، فكان الربيعُ يحملُ عليه المهدي (أي: يُوغر صدرَ الخليفة المهدي على القاضي شَريك) فلا يلتفتُ إليه، حتى رأى المهديُّ في منامه: شَريكاً القاضي مصرُوفاً وجهُه عنه، فقص رُؤياه على الربيع، فقال له: يا أميرَ المؤمنين إن شَريكاً مُخالفٌ لك وهو فاطميٌ، فقال له شَريكٌ: أُعيذك بالله يا أميرَ المؤمنين أن تكون غيرَ فاطمي، إلا أن تعني فاطمةَ بنت كسرى، قال: لكني أعني فاطمةَ بنتَ محمدٍ – صلى الله عليه وسلم-، قال: أفتلعنُها يا أميرَ المؤمنين؟ قال: معاذَ الله، قال: فما تقول فيمن يلعنها؟ قال: عليه لعنةُ الله، قال: فالعنْ هذا – يعني الربيعَ – فإنه يلعنها، قال الربيعُ: لا والله يا أمير المؤمنين ما ألعنها، فقال له شَريكٌ: يا ماجن فما ذكرك لسيدة نساء العالمين، وابنة سيد المرسلين في مجالس الرجال؟ قال المهدي: دعني من هذا, فإني رأيتُك في منامي كأن وجهك مصروفٌ عني وقفاك إليَّ (وفي بعض الروايات: رأيتُك تطأُ بِساطي وأنت مُعرِض عنِّي) وما ذلك إلا لخلافك عليَّ، ورأيتُ في منامي كأني أقتلُ زِنْديقاً (وفي بعض الروايات: فسألتُ المعبرَ، فقال: يُظهِرُ لك طاعةً ويُضمِرُ معصية)، قال شَريكٌ:” إن رُؤياك – يا أميرَ المؤمنين – ليست برؤيا ( وفي رواية: والله ما رُؤياك برؤيا) إبراهيم – عليه السلام -، وما مُعبرك بيوسف – عليه السلام -، والدماء لا تُستحل بالأحلام، وإن علامة الزندقة بيِّنة؟”، قال: وما هي؟ قال: شُرْبُ الخمر، والرشا في الحكم، ومهر البغي، فاستحى المهديُّ وقال: صدقتَ – واللهِ – يا أبا عبدِ اللهِ (كنية شَريك) أنتَ – واللهِ- خيرٌ من الذي حملني عليك (أي الربيع)[4].

والكلمة الذهبية هي: (والله ما رُؤياك برؤيا إبراهيم – عليه السلام -، وما مُعبرك بيوسف – عليه السلام -، والدماء لا تُستحل بالأحلام).

ومعنى هذا الكلام الثمين المتين:

-فقول شَريك: “والله ما رُؤياك برؤيا إبراهيم – عليه السلام -” معناه: أن رؤياك ليست معصومة، فهي ليست رؤيا الرسول الكريم خليل الرحمن إبراهيم- عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- الذي رأى أنه يذبح ابنه، فقام من منامه ليذبحه، قال تعالى-في ذلك- إخباراً عن إبراهيم: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ(102) سورة الصافات.

فإذا كانت رؤيا نبي الله إبراهيم وغيره من الأنبياء معصومة لا تلتبس عليه ولا يلبسها الشيطان عليه, فرؤيا غير الأنبياء ليست لها تلك العصمة, بل ربما التبست الرؤيا- عند عامة الناس- بالحُلم الذي هو من الشيطان، وبحديث النفس الذي هو من الإنسان, قال ابن حزم – رحمه الله – في كتابه “الفصل بين الملل والنحل ” (5/124) “…وأما رؤيا غير الأنبياء فقد تكذب، وقد تصدق, إلا أنه لا يُقطع على صحة شيء منه إلا بعد ظهور صحته, حاشى رؤيا الأنبياء فإنها كلها وحي مقطوع على صحته, كرؤيا إبراهيم – عليه الصلاة والسلام – ولو رأى ذلك غيرُ نبي في الرؤيا فأنفذه في اليقظة لكان فاسقاً عابثاً، أو مجنوناً ذاهب التمييز بلا شك, وقد تصدق رؤيا الكافر ولا تكون حينئذ جزءاً من النبوة, ولا مبشرات, ولكن إنذاراً له أو لغيره ووعظاً وبالله التوفيق. “.

– وقول شَريك:”وما معبرك بيوسف – عليه السلام -” معناه: وليس معبرك نبياً معصوماً فلا يُخطئ في التعبير، كيوسفَ – عليه السلام – الذي قال اللهُ في شأنِهِ: “وكذلك يَجتبيك ويُعلمك من تأويل الأحاديث…الآيةَ ” (يوسف: 6 ), وتأويل الأحاديث – عند جُمهور أهلِ العلمِ – هو تفسير الأحلام, فيوسف نبي معلم معصوم في تأويله وتفسيره الأحلام!.

  • وهذا الكلام المتين إشارةٌ من القاضي شَريك – رحمه الله – إلى أن الخلل يتطرق على رُؤى عامة الناس – ممن ليسوا بأنبياء – من جهتين:

(الجهةالأولى): من ناحية التباس الرؤيا بقسميها: حديث النفس، والحلم، فعامة الناس – ممن ليسوا بأنبياء – رؤاهم ومناماتهم بيّن الشارعُ أنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:الرؤيا، والحلم، وحديث النفس، فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً، ورؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، والرؤيا ثلاث: فالرؤيا الصالحة بشرى من الله، والرؤيا من تحزين الشيطان، والرؤيا مما يحدث بها الرجل نفسه، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقم فليتفل ولا يحدث الناس بها، قال: وأحب القيد في النوم، وأكره الغل) القيد ثبات في الدين[5]، رواه الترمذي، وقال: وهذا حديث حسن صحيح، وأخرجه الشيخان. وقال في ( الفتح 14/368): “…قال ( أي المهلب ): فالناسُ على هذا ثلاثُ درجاتٍ: الأنبياءُ ورؤياهم كلها صدق, وقد يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير، والصالحون والأغلبُ على رُؤياهم الصدق، وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى تعبير، ومن عداهم يقع في رُؤياهم الصدق والأضغاث، وهي ثلاثة أقسام: مستورون، فالغالب استواء الحال في حقهم، وفَسَقَة والغالب على رُؤياهم الأضغاث ويقل فيهم الصدق، وكفار ويندر في رؤياهم الصدق جداً، ويشير إلى ذلك قوله – صلى الله عليه وسلم -: ” وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً” أخرجه مسلم من حديث أبي هُريرة…”

فيتضح مما سبق أن ما يراه النائمُ- غيرُ النبي- على ثلاثة أقسام:

(أولاً) رؤيا من الله: ومن صفتها الانسجام والاستقامة والتسلسل والوضوح والصفاء، والترابط، فكأنها قصة أو حكايةٌ واحدةٌ. وهذا النوع من المنامات هي التي يصح تعبيرها، وهي التي ألف العلماء في بيانها وتعبيرها الكتب، وكل ما ورد في فضل الرؤى والأحلام فهو منزّل على هذا القسم، كقول النبي – صلى الله عليه وسلم – في الحديث المتواتر: (الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءً من النبوة)[6], وقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: (رُفعت النبوة وبقيت المبشرات) قيل: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: (الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو تُرى له) متفق عليه, وقول النبي – صلى الله عليه وسلم – في الحديث المتواتر: (من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي)[7]، وغير ذلك من الأحاديث[8].

(ثانياً): حُلم من الشيطان: وهو تفزيع من الشيطان وترويع، فالشيطان يريد أن يُوصل الأذية إلى المسلم في كل أحواله حتى المنام، ويحاول أن يُضله في منامه بالأوامر المخالفة للشريعة، فإن لم يستطع فبالتخويف والإفزاع في أقل الأحوال، ومن الأحلام التي من الشيطان منامات الاحتلام والشهوة، والمنامات التي يكثر فيها الخلط والتداخل والفزع، وهذا النوع من المنامات يُسن فيه أن نعمل كما أرشدنا النبي – صلى الله عليه وسلم-: أن يُستعاذ فيه من الشيطان، ومن شر ما رأى، وأن يتفل على يساره ثلاثاً, وينقلب إلى الجنب الآخر, فإن زاد فقام فتوضأ فصلى فبها ونعمت، وقد أتى ذلك كله بالسنة، روى مسلمٌ في ” صحيحه”: ( إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثاً، وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثاً، وليتحوَّلْ عن جنبه الذي كان عليه )، وكما في حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – عند البخاري: ( إذا رأى أحدكم ما يكره فإنما هي من الشيطان، فليستعذ من شرِّها ولا يذكرها لأحدٍ، فإنَّها لا تضره )، وكما في حديث أبي قتادة – رضي الله عنه – عند مسلم قال: كنت أرى الرؤيا فتُمرضني حتى سمعتُ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: ( الرؤيا الصالحة من الله، فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث بها إلا من يحب، وإن رأى ما يكره فليتفل عن يساره ثلاثاً, وليستعذ باللهِ من شرِّ الشيطان وشرِّهِ، ولا يُحدِّثْ بها أحداً، فإنَّها لا تضرُّه )، وفي حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – أنَّ النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ( فإن رأى أحدكم ما يكره فليقم فيلصلِّ، ولا يُحدِّثْ بها الناسَ ) أخرجه مسلم.

(ثالثاً): حديث النفس: وحقيقته أن النفس يتنازعها في حركتها في الدنيا أمانٍ ونوازع يستطيع الإنسان أن يحقق بعضَها، ويتعذر عليها بعضُها، فتبقى في نفسه آثارُ المشاغلِ الدنيوية والمُعاناة التي خاض فيها، ويكتم في نفسه أسراراً وقضايا، فعندما ينام يجول هذا كله في صدره بنوع من الحرية لم تكن متوفرة في اليقظة، فتظهر في صورة أحلام وقصص بكيفية وترتيب لا يُعلم تفاصيلها ولا كيفيتها حتى الآن! وهذا القسم مما أطال الكلام فيه المتأخرون من علماء النفس وفي مقدمتهم (سيجموند فرويد) الطبيب النمسوي اليهودي مؤسس (مدرسة التحليل النفسي) وأتباعه، وغير ذلك من المدارس المادية النفسية، قال في “الموسوعة الميسرة في الأديان والعقائد والأحزاب المعاصرة” (2/835) عن ” فرويد ونظريته ونظرته إلى الحلم” قال:” الحلم عنده هو انحراف عن الرغبة الأصلية المُستكنة في أعماق النفس، وهي رغبة مكبوتة يُقاومها صاحبُها في مستوى الشعور، ويُعيدها إلى اللاشعور، وأثناء النوم عندما تضعف الرقابة تأخذ طريقها باحثة لها عن مخرج”.

(الجهة الثانية): من ناحية تعبيرها: فقد يتم تمييز الرؤيا من بين قسيميها (الحلم وحديث النفس)، ولكن الرؤيا في الغالب تحتاج إلى تعبير وتفسير، وترجمتها من الحالة الرمزية إلى معانيها الحقيقية التي كانت تخفيها تلك الرموز، وهي ما يمكن أن يطلق عليه اسم (الترجمة)، لأنها ترجمة من لغة الحلم الرمزية إلى اللغة التي نفهمها، وفي هذه المرحلة يمكن أن يقع الخطأ من المُعبِّر كأن يعبِّرها على غير وجهها، ولقد عبر الصديق – رضي الله عنه – وهو من هو في مكانته وفضله – رؤيا بين يديّ النبي – صلى الله عليه وسلم -، ثم سأل أبو بكر – رضي الله عنه – بعد ما انتهى من تعبيرها -: (هل أصبت يا رسول الله؟ قال الرسول – صلى الله عليه وسلم-: (أصبت بعضاً، وأخطأت بعضاً) رواه البخاري[9] وغيره، فمن بعد أبي بكرٍ – رضي الله عنه – من المُعبِّرين يأمن على نفسه من الخطأ؟!

الجواب: لا أحد إلا أن يكون مغروراً بنفسه، مغتراً بحاله، فمن هنا قال شريك – رحمه الله -: (وما معبرك بيوسف – عليه السلام -)!

يقول الدكتور سامي بن عبد العزيز الماجد – حفظه الله -:”… ولكننا نرتاب كثيراً أن تكون كل المرويات من أحلام الناس اليوم هي من جُملة تلك الرؤى الصالحة المبشرة، فثمة أمور تدفعنا للتريث كثيراً، وتُبطئنا عن المسارعة إلى تصديق كل ما يروى من الأحلام وبما يحكى من تأويلها:

الأمر الأول: أن يكون المرء الذي نُسبت إليه تلك الرؤيا كاذباً قد تحلّم بحلم لم يره، وهذا احتمال وارد، والوعيد في ذلك شديد، يقول – صلى الله عليه وسلم -: “من تحلّم بحلم لم يره كُلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل” رواه البخاري، ثم إذا فرضنا صحة الرؤيا وأن صاحبها صادقٌ فثمة أمر آخر يرد عليها، وهو كون ذلك الحلم من قبيل حديث النفس، فإن بعض المنامات تتأثر بالهموم الشخصية والحالة النفسية، وقد أثبت الرسول هذا في قوله: ” الرؤيا ثلاث: فالرؤيا الصالحة بُشرى من الله، والرؤيا من تحزين الشيطان، والرؤيا مما يُحدث به الرجل نفسَه” أخرجه الترمذي بسند صحيح، ثم إن سلمنا أن الرؤيا ليست من حديث النفس فثمة وارد يمنع أن تستخفنا تأويلات تلك الأحلام فنسارع إلى تصديقها واستظهار الغيب بها، وهذا الوارد هو احتمال خطأ المُعبَّر، فليس لزاماً أن يُوافق تأويلُه عينَ الحقيقةِ؛ لأن تأويله اجتهادٌ يحتمل الخطأ والوهم، كما يحتمله كلُ اجتهادٍ، وقد أخطأ في تأويل بعض الرؤى صحابةُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فأولى أن يُخطئ غيرهم ويهم، ومن ذلك أن رجلاً جاء إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – وقال: إني رأيت رؤيا، ثم قصّها عليه في حديث طويل، فقال أبو بكر: يا رسول الله بأبي أنت، لتدعني فأعبرها!! فأذن له، فعبرها، ثم قال: فأخبرني يا رسول الله، أصبتُ أم أخطأت؟!! فقال: أصبتَ بعضاً، وأخطأتَ بعضاً”.، وقد وجدنا شيئاً من تأويل المعبرين اليوم تُخالف سُنَناً ربانيةً لم تخرمها قرونٌ متطاولة أفيخرمها حلمُ حالمٍ، وقد تسامع الناسُ في هذه الأيام برؤى عُبرت بنصر من الله وفتح قريب يقع في فلسطين محدد باليوم والشهر في مدة قريبة جداً، وإننا لنُوقن أن ذلك ليس على الله بعزيز، فما كان ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض. ولكن أين نحن من سنن الله التي ذكّرنا بها، وأمرنا أن نتدبرها؟، أين نحن من قوله تعالى: (( إن الله لا يُغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ))؟ وهذه سنة جارية في الخير والشر جميعاً، وأين نحن عن قوله – عز وجل -: (( إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم)) مع قوله ((وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم))؟، ولسنا في شك من أن الله سينصر دينه ويُعلي كلمته، ولكن هل نحن – بواقعنا اليوم- أهلٌ لاستحقاق هذا النصر والتمكين، وهل تحديد يوم النصر ذلك بيوم بعينه هو مما تحتمله تلك الرؤى بصورها ومدلولاتها؟ ألا فلنربأ بأنفسنا وعقولنا عن هذا الإسفاف والاستخفاف، والقصدَ القصدَ في الاشتغال بالرؤى والانسياق لتأويل المعبرين، فإنه ليس يجدينا الآن الفزع في المنامات والأحلام، ومحاولة تنـزيلها على الواقع، إنما الذي يجدينا هي تلك الحلول الواقعية العملية التي تأخذ سنن الله الثابتة وتستهدي بنورها، والتوجه إلى الإيجابيات من الأعمال – التي تستفرغ التفكير والجهد – جديرٌ أن يطرد عنا هذا الوهم والانخداع.” اهـ.[10]

قلت: فإذا كان ذلك كذلك، فليس هناك ما يضمن لنا سلامة تمييز الرؤيا من قسميها الحلم، وحديث النفس، وسلامة تعبيرها، فأمرها قائم على الظن، فلذلك لا يُستدل بها في الشريعة الشريفة، ولا يُقال بها في الحلال والحرام، فالدين ما قال الله وما قال النبي – صلى الله عليه وسلم -، لا بالأحلام والرؤى!، وهذا الأخير – وهو عدم الاحتجاج بالرؤى والأحلام في الشريعة الشريفة – انعقد عليه الإجماع, وقد نقل عليه الإجماع القاضي عياض اليحصبي, ونقله الإمام النووي في ” شرح صحيح مسلم” (1/115)وأقره, ونقل العلامة ابن مفلح – رحمه الله -(-763هـ) كلام القاضي عياض والنووي في كتابه: (الآداب الشرعية) (3/430) وأقره، وقال بعد نقله: (وهذا كله معنى كلام الشيخ تقي الدين ابن تيمية).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -: (الرؤيا المحضة التي لا دليل على صحتها لا يجوز أن يُثبت بها شيء بالاتفاق)([11])، ونقل الإجماع الحافظ ابن كثير(774 هـ) في “الفصول في سيرة الرسول” (298-299)، ونقل العلامة أبو زُرْعة العراقي (826 هـ) الإجماع عن القاضي عياض وأقره في كتابه (طرح التثريب في شرح التقريب)(8/215)([12])، ونقل الإجماع-على ذلك- العلامة علي القاري في كتابه ” المقدمة السالمة في خوف الخاتمة “(22)، ونقل الإجماع من المتأخرين العلامة عبد الرحمن المُعلمي – رحمه الله – في كتابه القيم ” التنكيل” (2/242) والشيخ سعيد حوى – رحمه الله – في كتابه ” تربيتنا الروحية “(159-160).

وفي الختام هناك تنبيهان أُريد أن ألفت النظر إليهما، وهما:

التنبيــه الأول: رؤيا الأنبياء[13] (بمعنى أن يرى النبي نفسُه شيئاً ) معصومةٌ[14]، ومن الأدلة على ذلك من قوله تعالى إخباراً عن إبراهيم: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ(102) سورة الصافات، وقد روى البخاري عن عُبيد بن عُمير قال: ” رُؤيا الأنبياءِ وحيٌ ” وقد رُوي مرفوعاً وموقوفاً على ابن عباس – رضي الله عنهما – ولا يصح[15]، وقد أجمع العلماء على ذلك – وهو عصمة ما يراه النبي -, وممن نقل الإجماع على ذلك الإمام ابن عبد البر في (الاستذكار)(27/120، رقم 40462) قال: “… ولا خلاف بين العلماء أن رؤيا الأنبياء وحيٌ، بدليل قوله – عز وجل – حاكياً عن إبراهيم وابنه – صلوات الله عليهما -: إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ(102) سورة الصافات، يعني ما أمرك الله به في منامك، وهذا واضح والحمد لله كثيراً”، وقال الإمام ابن القيم – رحمه الله – في ” مدارج السالكين “(1/42): “… ورُؤيا الأنبياء وحيٌ، فإنها معصومة من الشيطان، وهذا باتفاق الأمة، ولهذا أقدم الخليلُ على ذبح ابنه إسماعيلَ – عليهما السلام – بالرؤيا، وأما رؤيا غيرهم فتُعرض على الوحي الصريح، فإن وافقته وإلا لم يُعمل بها “, وذكر ابن القيم في نهاية كتابه (حادي الأرواح)(ص291): إجماع أهل السنة والحديث على مسائل نقلها عن “حربٍ” صاحب “الإمام أحمد”, فقال: (… وقد كانت الرؤيا من الأنبياء وحياً…)، وقال الدكتور القرضاوي في (موقف الإسلام)(29- 30): (لا نزاع بين أحدٍ من أهل الإسلام في أن إلهامَ الأنبياءِ جزءٌ من الوحي المعصوم، وفيه جاء مثل قوله – صلى الله عليه وسلم -: (إن رُوح القدس نفث في رُوعي: أن نفساً لن تموتَ حتى تستكملَ أجلَها، وتستوعبَ رِزقَها).[16] كما لا نزاع بينهم في أن رُؤيا الأنبياء وحي أيضاً، وهي تدخل مع الإلهام في قوله تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ(51) سورة الشورى، فقوله: (إلا وحياً)[17] يشملُ الإلهامَ في اليقظة والرؤيا في المنام، وقد ذكر لنا القرآنُ رؤيا إبراهيمَ في شأن ذبح ابنه، وكيف اعتبر ما رآه في المنام أمراً من الله – تعالى -، وكذلك الابن: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ(102) سورة الصافات. اهـ.

التنبيــه الثاني: تقدم الكلام عن ” سيجموند فرويد ” فأردت أن أُترجم له ترجمة مُختصرة لبيان خُطورة مذهبه ونظرياته ومدرسته (مدرسة التحليل النفسي)، فإليك هذه الترجمة:

سيجموند(سيغموند) فرويد (Sigmund Freud)

عالِمُ نفسٍ يهودي نمسوي، وُلِد” فرويد” في النمسا (1856هـ) من أسرة بورجوازية يهودية، فكانت له أخلاقه البورجوازية وتُراثه اليهودي الذي تصدر عنه ثقافته، وهو من أشهر علماء النفس في القرن العشرين، فله مكانة خاصة بين المشتغلين بعلم النفس والطب النفسي، وله شهرة واسعة بين المثقفين، وكان فرويد أول من حاول أن يجعل من نظريات علم النفس أيديولوجية تقول برأي في كل موضوع، تخصص فرويد في طب العقول، وأبدى اتجاهات مبكرة إلى تفسير الاضطرابات النفسية بالجنس، و اعتنى بالأحلام وكان يستخدمها في التحليل النفسي لمرضاه، وألف كتاب “تفسير الأحلام” الذي تُرجم إلى معظم اللغات الحية، وعده الماديون والنفسانيون أول من تكلم – بزعمهم- كلاماً علمياً في الأحلام، والحلم عند فرويد ليس إلا تحقيق رغبة، فقد أُثِر عنه: (الأحلامُ هي الطريقُ الملكي إلى اللاشعور)[18]، واهتم فرويد بالجنس وأعطاه الأولوية باعتباره القوة المحركة للسلوك، وقد أسس فُرويد مدرسةً نفسيةً ضخمةً تُسمى (مدرسة التحليل النفسي) وهي مدرسةٌ تفسر السلوكَ الإِنساني تفسيراً جنسياً، وتجعل الجنس هو الدافع وراء كل شيء، كما أنها تعتبر القيم والعقائد حواجز وعوائق تقف أمام الإِشباع الجنسي مما يُورث الإِنسان عقداً وأمراضاً نفسية.

وأصبح لهذه المدرسة عشراتُ الفروعِ في العالم، ومئات أو آلاف المؤلفات والمؤتمرات وقد بدأت حركةُ التحليلِ النفسي في فيينا، وانتقلت إلى سويسرا، ومن ثم عمت أوروبا، وصارت لها مدارس في أمريكا، ووقع فرويد في أخطاء علمية خطيرة وفادحة كان لها تأثير كبير على الدراسات النفسية والاجتماعية والإنسانية، بل وله دور كبير في انتشار العري والجنس والإباحية والضياع والفلسفات الهدامة في أوروبا وأمريكا خصوصاً, وفي العالم عُموماً، ويُتهم – بل هو الحق – فرويد بأنه ظهر في مظهر الإلحاد، ولكن عقله الباطن كان مُتشبعاً بالتراث اليهودي كالتوراة والتلمود، واستطاع أن يُسرب هذه المعاني والأفكار التوراتية والتلمودية في نظرياته وكتبه المتعددة, وفرويد له كتب متعددة، منها:”تفسير الأحلام” – وقد تقدم الكلام عليه-، و” مستقبل وهم”، و” تاريخ حركة التحليل النفسي” ,و” موسى والتوحيد”, و”ما فوق مبدأ اللذة”, و”ليوناردو دافنشي”, و” الحب والحرب والموت والحضارة “, و”ثلاث مقالات في الجنس”، و”أفكار لأزمنة الحرب والسلام”, و”الأحلام والفن “, و”النكتة وعلاقتها باللاشعور”, و”الباثولوجيا النفسية للحياة اليومية” وغيرها, فكتُبُه كثيرةٌ جداً, وكلها تصب في تقرير نظرياته وأفكاره، مات فرويد بلندن سنة (1939م)، وما زالت مدرستُه وأفكارُه قائمةً وإن ظهرت معارضاتٌ ونظرياتٌ ضدها على مستوى العالم، راجع ترجمته في “مَوْسُوعة أعلام علم النفس” للدكتور عبد المنعم الحِِِفني (242-258) و “الموسوعة المُيسرة في الأديان والعقائد والأحزاب المعاصرة”[19] (2/832-841)رقم(106)(الفُرويدية).

وعفواً إن كان وقع شيءٌ من الإطالة والاستطراد والتكرار, فعذري أني أردتُ استيفاءَ الكلامِ على الفائدة، وتوكيد بعض المعاني التي ضاعت عندَ المُشتغلين والمُهتمين بهذا الفن، هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على خاتم النبيين والمُرْسلين.

___________________________ [1] -المهدي: هو الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، وُلد سنة 132هـ, كان المهدي جواداً شهما فطناً مليح الشكل محبباً إلى الرعية حسن الاعتقاد, تتبع الزنادقة وأفنى منهم خلقاً كثيراً، وهو أول من أمر بتصنيف كتب الجدل في الرد على الزنادقة والمُلحدين، روى الحديث عن أبيه وعن مبارك بن فُضالة, حدث عنه يحيى بن حمزة وجعفر بن سليمان الضبعي ومحمد بن عبد الله الرقاشي وأبو سفيان سعيد بن يحيى الحميري، قال الذهبي: وما علمت قيل فيه جرحاً ولا تعديلاً، وتُوفي – رحمه الله تعالى – سنة169هـ، وكانت فترة خلافته ما بين (158هـ -169هـ)، راجع ترجمته: في ” تاريخ الخلفاء” للسيوطي, و” البداية والنهاية” لابن كثير.

[2]- العلامة الحافظ القاضي شريك بن عبد الله بن الحارث النخعي الكوفي(95- 177)، قال الذهبي: “هو العلامة الحافظ القاضي أبو عبد الله النخعي، أحد الأعلام على لين ما جاء في حديثه، توقف بعض الأئمة عن الاحتجاج بمفاريده، وقد وثقه يحيى بن معين، وقال: هو أثبت من أبي الأحوص، ولد ببخارى سنة خمس وتسعين، ومات سنة سبع أو ثمان وسبعين ومائة “، قلت: عالم بالحديث، اشتُهر بقوة ذكائه وسرعة بديهته، استقضاه المنصور العباسي على الكوفة سنة (153هـ)، ثم عزله، وأعاده المهدي، فعزله موسى الهادي، وكان عادلاً في قضائه، مولده في بخارى، ووفاته بالكوفة، (ترجمته في:الأعلام: للزركلي (3/163)، و”وفيات الأعيان” لابن خلكان (1/255)، و “سير أعلام النبلاء” للذهبي (8/200-216)، و “البداية والنهاية”لابن كثير (10/171)، و “شذرات الذهب”لابن العماد (1/287).

[3]- ابن أبي فروة (111- 169هـ): الربيع بن يونس بن محمد بن أبي فروة كيسان، من موالي بني العباس أبو الفضل: وزير من العُقلاء الموصوفين بالحزم، اتخذه المنصور العباسي حاجباً ثم استوزره، وكان مَهيباً، فأحسن إدارة الشئون، عاش إلى خلافة المهدي (العباسي) وحظي عنده، ثم صرفه الهادي عن الوزارة، وأقره على دواوين الأزمَّة، فلم يزل عليها إلى أن تُوفي، وإليه تُنسب “قطيعة الربيع” ببغداد، وهي محلة كبيرة أقطعه إياها المنصور، راجع:(الأعلام) للزركلي (3/15).

[4]- هذه القصة مذكورة في “العقد الفريد” (2/47-48)، و”أخبار القضاة” لوكيع (3/155)، و “موسوعة العذاب” للشالجي (1/289)، و”الاعتصام” للشاطبي (1/334)، و ” البدعة” للدكتور علي عزت عطية (251)، و “الرؤى والأحلام في النصوص الشرعية” للدكتور أسامة عبد القادر الريس (213-214). وقد مزجت الروايات مع بعضها، وأدخلتُ بعضَها في بعضٍ.

[5] -قال الخطيب: والمتن كله مرفوع إلا ذكر القيد والغُل، فإنه من قول أبي هُريرة أُدرج في الخبر…إلخ. راجع: ” فتح الباري” (14/444).

[6]- حكم بتواتره السيوطي والمُناوي والزرقاني والمُرتضى الزبيدي،راجع: ” لقط اللآلىء المتناثرة في الأحاديث المتواترة ” للمُرتضى الزبيدي ( 24-25) الحديث الثاني.

[7] -حكم بتواتره السيوطي والكتاني والمُناوي والمُرتضى الزبيدي،راجع: ” لقط اللآلىء المتناثرة في الأحاديث المتواترة ” للمُرتضى الزبيدي ( 97-99) الحديث التاسع والعشرون.

[8] – راجع” كتاب التعبير” من “صحيح البخاري” في “فتح الباري ” المجلد الرابع عشر في الطبعة الجديدة لدار الفكر, والمجلد الثاني عشر من الطبعة السلفية.

[9] -قال ابن حجر في ” فتح الباري” (14/479)-في شرح هذا الحديث-:”…وفيه أنه لا يُعبر الرؤيا إلا عالم ناصح أمين حبيب، وفيه أن العابر قد يُخطىء وقد يُصيب…إلخ”.

[10] -نقلاً من موقع: “إسلام أون لاين” www.islamonline.net بتاريخ:6/9/1423هـ الموافق 21/11/2001م.

[11] – مجموع الفتاوى ( 27/457- 458) نقلاً عن كتاب (المهدي) للشيخ محمد إسماعيل المقدم(229).

[12] – وراجع: “تعجيل السُّقيا في تعبير الرؤيا” لشيخنا أحمد فريد (77-78).

[13]- أي – هذا- من باب إضافة المصدر إلى فاعله, أي: أن الفاعل للرؤيا هو النبي – صلى الله عليه وسلم- فهو الرائي لا المرئي، فانتبه -رعاك الله – إلى هذا الفرق، فإنه قد ضل بسبب عدم التفريق بينهما أُناس كثيرون!

[14] -خبر المبتدأ ( رؤيا الأنبياء).

[15] -قال الهيثمي – رحمه الله – في ” مجمع الزوائد ” (7/176): ” عن ابن عباس – رضي الله عنهما -، قال )رؤيا الأنبياء وحي( رواه الطبراني عن شيخه عبد الله بن محمد بن أبي مريم، وهو ضعيف، وبقية رجاله رجال الصحيح “.

[16]- أورده الألباني في (صحيح الجامع)رقم (2085),وقال: صحيح, رواه أبو نُعيم في “الحِلية”،راجع: تحقيق “المشكاة”(5300),و”فقه السيرة”(96)

[17]- وذهب ابن الجوزي إلى أن المراد في قوله تعالى: (( إلا وحياً )) الوحي في المنام، راجع: (زاد المسير) لابن الجوزي (7/297) و (الرسل والرسالات) للدكتور/ عمر الأشقر (62).

[18] -في ” تفسير الأحلام ” لسيجموند فرويد،فصل بعنوان: ” الحلم تحقيقٌ لرغبة ” (ص147 ومابعدها)، طبعة مكتبة مدبولي (1417هـ-1996هـ) الطبعة الأولى.

[19] – “الموسوعة الميسرة في الأديان والعقائد والأحزاب المعاصرة “: إشراف وتخطيط ومراجعة: د. مانع بن حماد الجهني، الناشر: دار الندوة العالمية للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثالثة 1418هـ.

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *